kodeforest

تعريف المجالس الحديثية

هي مجالس روايةٍ للحديث الشَّرِيف بالأسانيد مع عنايةٍ بشيءٍ من الدِّراية يتحصّل بها الطالب على سماعٍ وقراءةٍ على الشروط المعتبرة عند أهل الأداء وهي تشتمل على قراءة حديثيّة للكتب الأصول .

لماذا المجالس الحديثيّة؟

اقتصرت الدراسات الشرعيّة (الحديثيّة وغيرها) في أغلبها وفي كثير من بلاد المسلمين على النمط الأكاديمي الجامعي الذي يكتفي فيه الطالب بالحضور في المعهد أو الجامعة وتلقِّي المواد الشرعية والمقرَّرات بطريقة مجتزأة في غالبها ومحكومة للفصل الدراسي والسنة الجامعية وَفْقًا لمعايير الأنظمة التعليميّة الحديثة، وقد تكون في كثير من الأحيان تعتمد نظام الانتساب والتساهل في حضور الطالب، وهذا يؤدّي إلى تخريج فئام من الطلبة درسوا في الكتب (بمقرَّرات مجتزأة في الغالب) دون أن يشافهوا أهل العلم ولا أن يتلقَّوْه التلقِّيَ المعتبر عند أهل العلم وذوي المُكْنَة في الاختصاصات الشرعيّة المختلفة. وهذه الأنظمة التعليميّة المقتبسة من النظام التعليمي الجديد السائد في الغرب قد يفاد منه في اختصاصات عمليّة دنيويّة تتمَّم بالخبرة بعد الدراسة والتجارب في الاختصاص المنشود، أمّا فيما يتعلّق بالدراسات الشرعية وخصوصًا ما يتعلّق بالرواية التي مدار التمكُّن فيها على ضبط النصوص والسماع بطرق التلقّي المعتبرة فيعد النظام التعليمي الأكاديمي رافدًا ومعرِّفًا لها لا مما يُقتصر عليه لتحصيل الاختصاص اللائق بأهله، ولذا كان من الضرورة بمكانٍ لمن له أدنى اطِّلاع على كيفيّة تحصيل العلوم الشرعيّة وخصوصًا النقليّة منها (كالحديث الشريف) أن يُقرَّ بحاجة الجمع إلى الطريقة الأكاديمية الحديثةِ طريقةَ التلقِّي بالمُدَارسة ومشافهة الشيوخ المعتبَرين والسماع منهم. ولما كانت هذه الطريقة المعتبرة في تلقّي العلوم الشريفة _ لا سيّما علم الحديث الشريف وكتبه روايةً ودرايةً _ قد قلّ شيوعها في هذه الآونة الأخيرة وعزّ طُلَّابها؛ عَمَدَ مركز علوم الحديث النبوي الشريف إلى اعتماد المجالس الحديثيّة ليألف الناس من جديد الطريقة العلمية المُتَّبَعة عند أهل التحقيق وليرجع طلبة العلم ورُوَّاد الحديث إلى النهج الوثيق في معرفة أحسن طريق لتحصيل الرواية من أهلها واعتماد المنهجية في أصلها. ووجدنا ممَّن يؤمّ هذه المجالس ويقصدها ليس مبتدئة طلبة العلم وحسب، إنّما أصحاب العمائم وخِرِّيجُو الجامعات والكليّات الشرعيّة ممّن لم يتسنّ لهم أن يحصِّلوا هذه الطريقة أو أن يسمعوا هذه الكتب في تحصيلهم العلميّ الأكاديميّ على ما سبق وصفه. وفي كلّ ما ذُكِر دليل على حاجة العلم الشرعيّ وخاصّة الحديث الشريف اليوم إلى هذا النمط من التدريس، وهو ليس بالأمر المُحْدَث الجديد، بل هو المنهج المعتمد عند أهله المُعْتَبَرِينَ منذ مئات السنين، وإنّما ضعف في عصرنا حتّى لم يعد يعرف في كثير من الأوساط الأكاديمية الشرعيّة. وفي الوقت الذي انتشرت المجالس الحديثية في بلاد الهند وشاع أنّ السماع صار عندهم واستقرّ عند علمائهم منذ وليّ الله الدهلوي رحمه الله إلى يومنا هذا، كانت بلاد الشام وأكثر بلاد الإسلام قد ضعف فيها هذا المنحى حتّى غابت ضوابطه عن كثيرين من المنسوبين للعلم، وآلَ الأمر إلى ثلّةٍ قليلة من أهل العلم والإسناد تتناقله جيلًا بعد جيلٍ؛ فأفراد أهل العلم الذين كانوا ينشطون بروايته وشرحه كجهود عَلَّامة الشام ومُحَدِّثها الشيخ محمد بدر الدين الحسني رحمه الله وإقرائه الكتب الحديثية وغيرها تحت قبة النسر في جامع بني أمية بدمشق المحروسة، ومن قبله محدثو آل الكزبري ومجالسهم المعروفة، وغيرهم ممّن حفظ الله تعالى على أيديهم سلسلة أسانيد علماء الشام الكرام وُصُولًا إلى أئمّة الحديث الأعلام أمثال المِزي والنووي وابن الصلاح وابن عساكر رحمهم الله تعالى وغيرهم. وحملًا لهذه الأمانة، ولأجل أن يتّصل اللاحق بالسابق وأن يعود علم الحديث في بلادنا إلى ركنه اللائق؛ كان لا بُدَّ من إعادة إحياء مجالس التحديث والسماع على أهله الذين تلقَّوا عن طبقةٍ من أهل هذا الفنّ كانوا قد حصَّلوا سماعاتٍ وإجازات اتّصلت بمتقنين ومُعَمَّرِينَ أدركوا طبقة المحدثين في هذه البلاد، ولأجل أن يتمّ رفع هذا العماد كان مشروع إطلاق مجالس التحديث على يد سيّد من الأسياد سليل علم ونسب من كابر عن كابر؛ هو السيِّد الشريف النجيب الأريب الدكتور المحدّث بسام عبد الكريم الحمزاويّ حفظه الله تعالى. وبحمد الله وفضله قامت هذه المجالس في دمشق وفي أكثر من محافظةٍ من سوريا، وتزامن ذلك مع نشاطٍ علميٍّ في لبنان في بيروت وصيدا والبقاع والشمال وسائر المحافظات اللبنانية، كما عقدت في أكثر من بلدٍ. وما زالت هذه المجالس تعقد، مع اتّسامها بالانتظام والمنهجية، فبعد أن كانت مقتصرة في البدايات على الكتب المتوسطة (كالشمائل للترمذي) والصغيرة (كالنووية) أخذت الطابع المنهجيّ في قراءة الأصول التي مدار الحديث الشريف عليها كالكتب الستّة، وكذلك الأمر في كتب الدِّرَاية. ومع هذه الحركة العلميّة تنشَّطت جهات مختلفة لاعتماد طريقة المجالس في أكثر من مكانٍ، وهو مؤشِّرُ نهوض ودليل صعود، ولعلّ مركز علوم الحديث النبويّ الشريف يكون له قصب السبق فيما يحاول حتى يرتقي شأن العلم في جميع المحافل. ومع استنهاض هذه الحال من القراءة والسماع وإقامة مجالسَ لها في بلادنا يُرتجى أوَّلًا من الله وحدَه القبول، وأن يكتب لنا الصدق والإخلاص فيما نحاول فيه وله الحول وحده، وأن يبلِّغَنا غاية المأمول من نشر السنّة النبويّة الشريفة، واقتناص النخب من نجباء طلبة العلم، وإحياء حفظ السنّة وجمع الدراية إلى الرواية، وصولًا إلى تخريج حفظةٍ متقنين يكون على أيديهم رفع منارة الدين بإذن الله القويّ المتين.