Scientific
Author: 
د. بسام عبد الكريم الحمزاوي

(ليلة النصف من شعبان وما ثبت فيها) أولاً. ليلة النصف من شعبان ليلة سلامة الصدور، والصلح مع الخلق: قال بعض السلف: "لَا أنور للقلب من سَلامَة الصَّدْر". 

امتازت ليلة النصف من شعبان بمزية لا توجد في جل الليالي، فالأصل في كل ليلة ما أخرج الإمام البخاري [1094] عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول: من يدعوني فأستجيب له؛ من يسألني فأعطيه؛ من يستغفرني فأغفر له) زاد مسلم [758]: (فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر). دل الحديث أنَّ الله تعالى يطلع على عباده كل ليلة، فيغفر للمستيقظين المستغفرين الطالبين، ويترك النائمين.

أمَّا ليلة النصف من شعبان فهي ليلة مغفرة للخلق ولكن لا يغفر الله تعالى فيها للمتخاصمين ولو أحيوا ليلها وصاموا نهارها، وظيفة المسلم في ليلة النصف من شعبان أن يصلح ما بينه وبين الناس، فقد ثبت عند ابن ماجه [1390] عَن أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رضي الله تعالى عنه، وابن حبان [5665] عن معاذ رضي الله تعالى عنه كلاهما عَنْ رَسُولِ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ، إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ( دل هذا الحديث أن الله تعالى يغفر في ليلة النصف من شعبان لجميع خلقه، ولو كانوا نائمين بشرطين: (إلا لمشرك) لأنَّ الله تعالى لا يغفر أن يشرك به. (أو مشاحن) أي مُعادٍ ومُخاصم، والشحناء هي: العداوة والبغضاء التي تكون بين المؤمنين. ومن معاني هذا الحديث ما ثبت عند الطبراني [590 ] وغيره عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ رضي الله تعالى عنه أَنّ النَّبِيَّ صَلَّى الله عَليهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (يَطْلُعُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ لَيْلَةَ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُمْهِلُ الْكَافِرِينَ، وَيَدَعُ أَهْلَ الْحِقْدِ بِحِقْدِهِمْ حَتَّى يَدْعُوهُ).

ثانيًا. هل مطلوب من المظلوم أن يصالح ظالمه في هذه الليلة ليغفر له: إن قال إنسان وهل يجب أن أبادر لحل كل خصومة؟ فالجواب: الخصومات بين الناس أنواع: الأول. خصومة أنا فيها ظالم قطعًا، فيجب أن أبادر لرد الحق لصاحبه وطلب المسامحة. الثاني. خصومة نسبية كأكثر خصومات الناس فلان مصيب 40 % ومخطيء 60 % والآخر عكسه، أو كل منها مخطيء من جهة ومصيب من جهة أخرى، فعليهما أن يبادرا لحل الخصومة، وخيرهما الذي يبدأ، وإلا فلا مغفرة لهما. الثالث. خصومة أنا مظلوم فيها قطعا من قناعتي الخاصة وكلام الثقات المنصفين، فهذه الحالة يرجى من الله تعالى أن لا تمنع مغفرة ليلة النصف من شعبان عن المظلوم، وإن كان الأرقى صفة العفو والصفح.

ثالثًا. إذا صالح العبد خصماءه في هذه الليلة فهل من حرج بعد ذلك أن يحيي الليلة بذكر أو صلاة..؟ يسأل كثير من الناس: هل يجوز إحياء ليلة النصف من شعبان بذكر أو قرآن أو قيام..؟ الجواب فيه تفصيل: وظيفة المسلم التي يجب أن يحرص عليها في هذه الليلة: إصلاح ذات البين، فمن أهمل إصلاح ذات البين فهو مقصر ولن ينال بركة هذه الليلة ولا مغفرتها ولو أحيا الليل كله وصام النهار بطوله، أمَّا من أصلح ذات البين وأزال الخصومات فيما بينه وبين الناس وأحب أن يقوم ليلة النصف، فلا حرج، والدليل: سبق أنَّ الله تعالى في كل ليلة يقول: (هل من مستغفر فأغفر له) فمن استيقظ واستغفر غفر له، ومن كان نائمًا حرم بركة المغفرة، وهذا في ليالي العام إلا ليلة النصف من شعبان، فإنَّ الله تعالى يطلع على عباده فيغفر لجميع خلقه إلا لمشرك أو مشاحن، فإذا كان الإنسان مبتعدًا عن الشرك والشحناء غفر له وإن كان نائمًا، إذًا: هي ليلة مباركة عمَّت بركتها النائم الغافل، فكيف بالمستيقظ الداعي؟!! فلا حرج _والله تعالى أعلم_ في إحياء هذه الليلة بشرط أن يكون المحيي لها مؤديًا أولاً لوظيفة إصلاح ذات البين.

رابعًا. احذر من الخصومات الدينية في هذه الليلة: الخصومات الدينية وحرمان بركة ليلة النصف من شعبان إن ليلة النصف من شعبان _كما سبق_ ليلة صلح مع الخلق وبعد عن الشحناء والخصومات ومن أعجب العجب أن ترى وتسمع من يدعو إلى قيامها والتعبد فيها ويُعَرِّض بمن يمنع ذلك أو يصرح ويتهمه بكذا وكذا، ويأتي الفريق الآخر ويتهم الفريق الأول بالابتداع والضلال وتكثر المهاترات والخصومات وتمتليء صفحات التواصل الاجتماعي بالأخذ والرد ويضيع العامة وتكثر الشحناء بين الطرفين تحت مسمى الدين والنتيجة يحرم الجميع من بركة المغفرة في ليلة الصلح مع الخلق، فإصلاح ذات البين واجب على مدار العام ولا سيما قبيل ليلة النصف من شعبان فعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَلا أُخبِرُكُم بأفضلَ من درجةِ الصيامِ ، والصلاةِ ، والصدقةِ؟ قالوا: بلى، قال: صَلاحُ ذاتِ البَيْنِ، فَإِن فسادَ ذَاتِ البَيْنِ هي الحَالِقَةُ». أخرجه الترمذي، وأبو داود. والحالِقة: تَحْلِقُ الدِّين، فلا يقال لمن اتصف بذلك "متدين". في هذا الحديث الشريف يسأل النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه عما هو أعظم من صيام النافلة، ومن صلاة النافلة، ومن الصدقات المتنوعة، ثم يبين أنَّ صلاح ذات البين هو الأعلى والأفضل، وأنَّ فساد ذات البين يسلب اسم التدين عن صاحبه، فاعْجَب لرجل يحرص على الصف الأول في صلاة الجماعة وهو متخاصم مع جاره، واعجب لامرأة لا يفتر لسانها عن الذكر ولا تنزل السبحة من يدها وهي مغتابة نمامة.