Religious
Author: 
د.بسام عبد الكريم الحمزاوي

فضل ليلة القدر:
أعظم ما في العشر إدراك ليلة القدر، وفي الصحيحين عنه عليه الصلاة والسلام قال: ( من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه )، فهي تعدل قيام شهر رمضان كاملاً، فمن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، فالمحروم من حرم خيرها وبركتها.
سبب تسميتها بليلة القدر: لعلها سميت بذلك لأسباب منها:
1. أن القدر العظمة، وهي ليلة العظمة والشرف.
2. ولأنها ليلة تقدير الأمور والأحكام، يقدر الله تعالى فيها أمر السنة في عباده وبلاده إلى السنة المقبلة، وتقدير الله تعالى لا يحدث في تلك الليلة، فإنه تعالى قدر المقادير قبل أن يخلق السموات والأرض في الأزل، بل المراد إظهار تلك الليلة المقادير التي قدرها.
3. أوسميت بذلك لأنَّ كل مَن لم يكن له قدر يصير بمراعاتها ذا قدر.
4. ونزل فيها كتاب ذو قدر، وتنزل فيها رحمة ذات قدر، وملائكة ذوو قدر.
5. ولأن العمل الصالح يكون فيها ذا قدر عند ربنا تعالى لكونه مقبولاً.
علاماتها:
من علاماتها: أنها ليلة بَلْجَةٌ مشرقة سَمْحَةٌ لا حارَّةٌ ولا باردة، تطلع الشمس صبيحتها لا شعاع لها كما جاء في الحديث الشريف والآثار، وقد يوفق الله تعالى جماعة من الصالحين لإدراك ليلة القدر في وقتها بعلامات أو إشارات يكرمهم الله تعالى بها لمعرفة ليلة القدر مما لا يدركه غيرهم كما سيأتي في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ومع ذلك فلكل مجتهد نصيب وإذا لم يقدر العبد على أن ينتفع بكمالات هذه الليلة المباركة فلا أدنى من أن يحصل شيئًا من بركاتها.
تنبيهان عن علاماتها:
إنَّ إدراك هذه الليلة لا يعني سكينة النفس بالعبادة فقط، فإن رمضان شهر مبارك تسكن النفس فيه للعبادات وليس هذا من خصوصيات ليلة القدر.
الثاني: من علاماتها تغير مفاجيء للأحسن يستمر.
وقتها:
أصح ما يعتمد: أنها من ليالي شهر رمضان المبارك من كل سنة، وأنها من ليالي الوتر كما دل عليه الحديث الصحيح: ( تحروا ليلة القدر في الوتر في العشر الأواخر من رمضان ).
وأنّها ليست ليلة معينة مطّردة في كل السنين بل هي متنقلة في الأعوام، وأنها في رمضان، وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم، والجمهور على أنها لا تخرج عن العشر الأواخر منه.
الحكمة من إخفائها:
لعل السر في إخفائها تعريض من يريدها للثواب الكثير بإحياء الليالي الكثيرة رجاء لموافقتها، وأن لا يصل إليها إلا الصادق المجتهد، وأبهم الله تعالى هذه الليلة على هذه الأمة ليجتهدوا في العبادة ليالي رمضان طمعًا في إدراكها، كما أخفى ساعة الإجابة في يوم الجمعة، واسمه الأعظم في الأسماء، ورضاه في الطاعات ليرغبوا في جميعها، وأخفى قيام الساعة ليجتهدوا في الطاعات حذرًا من قيامها...
الدعاء فيها:
المستحب الْإِكْثَارُ مِنْ الدُّعَاء فِي جَمِيع الْأَوْقَات، وَفِي شَهْر رَمَضَان أَكثَر، وَفِي العشر الأخِير مِنْهُ ثُمَّ فِي أَوْتَاره أَكْثَر، وَالْمُسْتَحَبّ أَنْ يُكْثِر مِنْ هَذَا الدُّعَاء: اللَّهُمَّ إِنَّك عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي لِمَا رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد أَنَّ عَائِشَة قَالَتْ: يَا رَسُول اللَّه إِنْ وَافَقْت لَيْلَة الْقَدْر فَمَا أَدْعُو ؟ قَالَ " قُولِي اللَّهُمَّ إِنَّك عَفُوٌّ تُحِبّ الْعَفْو فَاعْفُ عَنِّي"، ورَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه عَنْ عَائِشَة رضي الله تعالى عنها قَالَتْ: قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت إِنْ عَلِمْت أَيَّ لَيْلَةٍ لَيْلَةَ الْقَدْر مَا أَقُول فِيهَا ؟ قَالَ "قُولِي: اللَّهُمَّ إِنَّك عَفُوٌّ تُحِبّ الْعَفْو فَاعْفُ عَنِّي"، وَهَذَا لَفْظ التِّرْمِذِيّ، ثُمَّ قال: هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح.
الحذر من أن يتثاقل الإنسان عن العبادة في العشر:
فعن كَعْب الْأَحْبَار _من علماء التابعين_ رحمه الله تعالى: وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ لَيْلَة الْقَدْر لَتَثْقُل عَلَى الْكَافِر وَالْمُنَافِق حَتَّى كَأَنَّهَا عَلى ظَهْره جَبَل.
ملاحظات، وتنبيهات:
1. الحذر من الخصومة في أيام العشر فإنها ترفع البركة، وتحرم من إدراك ليلة القدر فقد صح عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال : «خرج رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليُخْبِرَ بليلة القَدْر، فتلاحى رجلانِ من المسلمينَ ، فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: إِني خرجتُ لأخبرَكُم بليلةِ القَدْرِ، فتلاحَى فلان وفلان ، فَرُفِعَتْ ، فَعَسى أن يكون خيرًا لكم ، فالتمسوها في التاسعة ، والسابعة، والخامسة» أخرجه البخاري.
2. المرأة المعذورة بحيضها ماذا تفعل في العشر لطلب ليلة القدر؟
الحيض عذر شرعي وهو مانع من بعض العبادات فقط كالصلاة والطواف ...، ولكن يجوز للحائض أجناس العبادات المتنوعة من الدعاء، والدعاء هو العبادة كما قال عليه الصلاة والسلام، والاستغفار، والذكر بأنواعه كالتسبيح والتحميد والتهليل، والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، ولها أن تطبق سنة سماع القرآن الكريم والتفكر بمعانيه، مع تضرعها لله تعالى بما يتيسر لها.
3. تطلب ليلة القدر في النهار والليل، فإن الذي يضيع نهاره أو يعصي فيه يحرم من بركة ليله، كما شكا بعضهم لعلي رضي الله تعالى عنه أنه يستصعب قيام الليل، فقال له: أنت رجل قيدتك ذنوب النهار.
4. من استطاع أن يتعبد كامل العشر فبها ونعمت، ومن لم يستطع فالوتر من العشر، فمن عجز فليلة 27 على الأقل.
5. يغفل كثيرون عن ليلة 29 من رمضان مع أنها قد تكون ليلة القدر فهي ليلة وتر من العشر.
أخيرًا فالناجي يأخذ بيد الهالك، وليذكر كل منا أخاه في ظهر الغيب في هذه الأيام المباركة فلا ندري دعاء من هو المقبول عند ربنا جل جلاله.