Scientific
Author: 
حسن عبد العال

المجالس الحديثيّة

التعريف بها:

هي مجالس روايةٍ للحديث الشَّرِيف بالأسانيد مع عنايةٍ بشيءٍ من الدِّراية يتحصّل بها الطالب على سماعٍ وقراءةٍ على الشروط المعتبرة عند أهل الأداء.

وهي تشتمل على قراءة حديثيّة للكتب الأصول أي كتب الرواية كالكتب الستّة ولغيرها من الأجزاء الحديثية والمسانيد وكذلك كتب الفروع.

لماذا المجالس الحديثيّة؟

اقتصرت الدراسات الشرعيّة (الحديثيّة وغيرها) في أغلبها وفي كثير من بلاد المسلمين على النمط الأكاديمي الجامعي الذي يكتفي فيه الطالب بالحضور في المعهد أو الجامعة وتلقِّي المواد الشرعية والمقرَّرات بطريقة مجتزأة في غالبها ومحكومة للفصل الدراسي والسنة الجامعية وَفْقًا لمعايير الأنظمة التعليميّة الحديثة، وقد تكون في كثير من الأحيان تعتمد نظام الانتساب والتساهل في حضور الطالب، وهذا يؤدّي إلى تخريج فئام من الطلبة درسوا في الكتب (بمقرَّرات مجتزأة في الغالب) دون أن يشافهوا أهل العلم ولا أن يتلقَّوْه التلقِّيَ المعتبر عند أهل العلم وذوي المُكْنَة في الاختصاصات الشرعيّة المختلفة.

وهذه الأنظمة التعليميّة المقتبسة من النظام التعليمي الجديد السائد في الغرب قد يفاد منه في اختصاصات عمليّة دنيويّة تتمَّم بالخبرة بعد الدراسة والتجارب في الاختصاص المنشود، أمّا فيما يتعلّق بالدراسات الشرعية وخصوصًا ما يتعلّق بالرواية التي مدار التمكُّن فيها على ضبط النصوص والسماع بطرق التلقّي المعتبرة فيعد النظام التعليمي الأكاديمي رافدًا ومعرِّفًا لها لامما يُقتصر عليه لتحصيل الاختصاص اللائق بأهله، ولذا كان من الضرورة بمكانٍ لمن له أدنى اطِّلاع على كيفيّة تحصيل العلوم الشرعيّة وخصوصًا النقليّة منها (كالحديث الشريف) أن يُقرَّ بحاجة الجمع إلى الطريقة الأكاديمية الحديثةِ طريقةَ التلقِّي بالمُدَارسة ومشافهة الشيوخ المعتبَرين والسماع منهم.

ولما كانت هذه الطريقة المعتبرة في تلقّي العلوم الشريفة _ لا سيّما علم الحديث الشريف وكتبه روايةً ودرايةً _ قد قلّ شيوعها في هذه الآونة الأخيرة وعزّ طُلَّابها؛ عَمَدَ مركز علوم الحديث النبوي الشريف إلى اعتماد المجالس الحديثيّة ليألف الناس من جديد الطريقة العلمية المُتَّبَعة عند أهل التحقيق وليرجع طلبة العلم ورُوَّاد الحديث إلى النهج الوثيق في معرفة أحسن طريق لتحصيل الرواية من أهلها واعتماد المنهجية في أصلها.

ووجدنا ممَّن يؤمّ هذه المجالس ويقصدها ليس مبتدئة طلبة العلم وحسب، إنّما أصحاب العمائم وخِرِّيجُو الجامعات والكليّات الشرعيّة ممّن لم يتسنّ لهم أن يحصِّلوا هذه الطريقة أو أن يسمعوا هذه الكتب في تحصيلهم العلميّ الأكاديميّ على ما سبق وصفه. وفي كلّ ما ذُكِر دليل على حاجة العلم الشرعيّ وخاصّة الحديث الشريف اليوم إلى هذا النمط من التدريس، وهو ليس بالأمر المُحْدَث الجديد، بل هو المنهج المعتمد عند أهله المُعْتَبَرِينَ منذ مئات السنين، وإنّما ضعف في عصرنا حتّى لم يعد يعرف في كثير من الأوساط الأكاديمية الشرعيّة.

وفي الوقت الذي انتشرت المجالس الحديثية في بلاد الهند وشاع أنّ السماع صار عندهم واستقرّ عند علمائهم منذ وليّ الله الدهلوي رحمه الله إلى يومنا هذا، كانت بلاد الشام وأكثر بلاد الإسلام قد ضعف فيها هذا المنحى حتّى غابت ضوابطه عن كثيرين من المنسوبين للعلم، وآلَ الأمر إلى ثلّةٍ قليلة من أهل العلم والإسناد تتناقله جيلًا بعد جيلٍ؛ فأفراد أهل العلم الذين كانوا ينشطون بروايته وشرحه كجهود عَلَّامة الشام ومُحَدِّثها الشيخ محمد بدر الدين الحسني رحمه الله وإقرائه الكتب الحديثية وغيرها تحت قبة النسر في جامع بني أمية بدمشق المحروسة، ومن قبله محدثو آل الكزبري ومجالسهم المعروفة، وغيرهم ممّن حفظ الله تعالى على أيديهم سلسلة أسانيد علماء الشام الكرام وُصُولًا إلى أئمّة الحديث الأعلام أمثال المِزي والنووي وابن الصلاح وابن عساكر رحمهم الله تعالى وغيرهم.

وحملًا لهذه الأمانة، ولأجل أن يتّصل اللاحق بالسابق وأن يعود علم الحديث في بلادنا إلى ركنه اللائق؛ كان لا بُدَّ من إعادة إحياء مجالس التحديث والسماع على أهله الذين تلقَّوا عن طبقةٍ من أهل هذا الفنّ كانوا قد حصَّلوا سماعاتٍ وإجازات اتّصلت بمتقنين ومُعَمَّرِينَ أدركوا طبقة المحدثين في هذه البلاد، ولأجل أن يتمّ رفع هذا العماد كان مشروع إطلاق مجالس التحديث على يد سيّد من الأسياد سليل علم ونسب من كابر عن كابر؛ هو السيِّد الشريف النجيب الأريبالدكتور المحدّث بسام عبد الكريم الحمزاويّ حفظه الله تعالى.

وبحمد الله وفضله قامت هذه المجالس في دمشق وفي أكثر من محافظةٍ من سوريا، وتزامن ذلك مع نشاطٍ علميٍّ في لبنان في بيروت وصيدا والبقاع والشمال وسائر المحافظات اللبنانية، كما عقدت في أكثر من بلدٍ. وما زالت هذه المجالس تعقد، مع اتّسامها بالانتظام والمنهجية، فبعد أن كانت مقتصرة في البدايات على الكتب المتوسطة (كالشمائل للترمذي) والصغيرة (كالنووية) أخذت الطابع المنهجيّ في قراءة الأصول التي مدار الحديث الشريف عليها كالكتب الستّة، وكذلك الأمر في كتب الدِّرَاية.

ومع هذه الحركة العلميّة تنشَّطت جهات مختلفة لاعتماد طريقة المجالس في أكثر من مكانٍ، وهو مؤشِّرُ نهوض ودليل صعود، ولعلّ مركز علوم الحديث النبويّ الشريف يكون له قصب السبق فيما يحاول حتى يرتقي شأن العلم في جميع المحافل.

ومع استنهاض هذه الحال من القراءة والسماع وإقامة مجالسَ لها في بلادنا يُرتجى أوَّلًا من الله وحدَه القبول، وأن يكتب لنا الصدق والإخلاص فيما نحاول فيه وله الحول وحده، وأن يبلِّغَنا غاية المأمول من نشر السنّة النبويّة الشريفة، واقتناص النخب من نجباء طلبة العلم، وإحياء حفظ السنّة وجمع الدراية إلى الرواية، وصولًا إلى تخريج حفظةٍ متقنين يكون على أيديهم رفع منارة الدين بإذن الله القويّ المتين.

أنظمتها المعتمدة في المركز وعلاقتها بالدورات الحديثية:

هذه المجالس على قسمين:

القسم الأوّل: المجالس المرتبطة بالمنهجية:

وهي الكتب التي لا بد من استكمال المنهجية التعليمية لطالب مركز علوم الحديث النبوي بها كالكتب الستة بالإضافة إلى تحصيله لكتب المنهجيّة الأساسيّة وهي مقررات المركز؛ إذ لا يعتبر الطالب متخرِّجًا من مستويات المنهجية التعليميّة السبعة حتى يكون قد أتم قراءة أو سماع الكتب الستة ويتحصل على إجازة معتبرة بذلك مع استكمال الوظائف والأبحاث المرفقة.

القسم الثاني: المجالس غير المنهجية:

وهي المجالس التي يُقرأ فيها غير الكتب المعتمد قراءتها في المنهجية التعليميّة؛ كسائر كتب الرواية والدراية والأجزاء الحديثية ... إلخ؛ على ما سبق بيانه.

هذا مع الإشارة إلى أن القسم الأول لا يشترط لحضوره أن يكون الطالب منتسبًا للمنهجيّة المعتمدة في المركز.

  • الكتب التي تُقْرَأ في المجالس الحديثيّة على قسمين:كتب بالإسْنَاد، وكتب بلا إسناد؛ على أنواعها كبيرة ومتوسطة وصغيرة الحجم كالكتب الستّة وشمائل الترمذي وعمدة الأحكام والأربعين النووية، وغيرها.
  • ينال الحاضرون الإجازات العلميّة بالأسانيد المعتبرة إلى مؤلفي الكتب التي تقرأ في المجالس؛ ويراعى في الإجازات المعايير التالية:
  • يحصى الحضور من الذكور والإناث بمَحاضِرِ تَفَقُّد يُعْرَف من خلالها الفَوَات في كلّ مجلسٍ لِكُلٍّ من الحاضرين ويُقَيَّد ذلك في الإجازة التي يأخذها الطالب.
  • يُقَيَّد في الإجازات التي يأخذها الطالب رواة السند المذكور بأسمائهم وأوصافهم التي اشتهروا بها مع ذكر الوفيات إن أمكن، مع مراعاة أن يكون رواة هذه الأسانيد من المختصين أو المشاركين في الفن الذي أعطيت الإجازة فيه، مع التأكيد على أن تعطى الأسانيد من طريق الأئمة ما أمكن، وخصوصًا من طريق أئمّة بلاد الشام لأنّ من أهداف المركز إحياء الجهود الحديثيّة في بلاد الشام قدر الإمكان.
  • يُفرَّق بين إجازة الرواية وإجازة الدراية؛ ففي الأولى يكون الطالب قد حضر سماع أو قراءة الكتاب أو شيئًا منه عرضًا دون درايةٍ وتفقُّه واختبارٍ بحصول ذلك منه، أما في الدراية يكون الحاضرمُطالَبًا في ختام المجلس بأن يجيب على الأسئلة والوظائف والأبحاث المتعلّقة، وبالتالي يكون قد حصّل في ختام المجلس ما يتميّز به عن الرواية المجرَّدة.
  • تُمْهَر الإجازات بتوقيع المجيز ومدير المركز مع تقييد نوع التلقي (سماع، قراءة، ...) والمكان والزمان وعدد المجالس التي خُتِمَ بها الكتاب.
  • تنعقد المجالس الحديثيّة في مركز علوم الحديث النبويّ في دمشق وفي فرعه بصيدا وفي الأماكن التي ارتبطت مع مركز الحديث بعملٍ علميٍّ مشترك جادّ من خلال توأمة علميّة نظاميّة كما هو الحال مع دار الحديث الأشرفيّة بدمشق ودار اقرأ/ بيروت، أو نشاط علميّ مُشْتَرَك كما في مجمع أبي النور/ دمشق، ومجمع الشيخ بدرالدين الحسني/ دمشق، وغير ذلك من الأماكن المختلفة التي ينظّم فيها المركز مثل هذه المجالس.
  • وقد تمَّت قراءة أكثر من ختمة للكتب الستة في أماكن مختلفة وبلدان مختلفة؛ ففي بيروت ختمت الكتب الستة، وفي دمشق قرئت الكتب الستة في أكثر من مكان:كما في مجمع الشيخ بدر الدين الحسني وغيره. كما قرئت بعض الأصول في بعض البلدان الإسلامية كالموطأ وغيره من كتب السنن.

هذا وقدبُوشِرَ مشروع قراءة الكتب الستة في طرابلس وصيدا.

طريقة الجمع بين الرواية والدراية فيها والوظائف وغايتها:

ممّا يميّز المجالس الحديثية المعتمدة في مركز علوم الحديث النبوي الشريف: الجمع بين الرواية والدراية؛ ومعنى ذلك أنّ المجالس ليست هي مجالس رواية فحسب بحيث يسرد فيها الأحاديث أو الكتب التي تقرأ فيها دونما أدنى تعليق، وإنما يتم التعليق عليها بما يتناسب مع الكتاب والشريحة التي تحضر.

ففي المجالس التي يحضرها طلبة العلم والتي يغلب عليها الجانب التخصُّصيّ يتم التعليق على المواطن التي يحتاج إليها مع هذه الشريحة ويُراعى في ذلك الفوائد الأصوليّة وذكر أصول الخلاف بين الأئمّة دونما الإشارة إلى المفردات التي يعرفها طالب العلم غالبًا، بخلاف المجالس التي يحضرها عامّة الناس فلا بد من الوقوف عند المشكل من الألفاظ والتعليق على المواضع التي يصعب فهمها على أمثالهم، مع التنبُّه إلى إغفال إثارة ما يشوِّش عليهم من أمور الخلاف ودقائق المسائل التي تزيد من صعوبة الفهم عليهم.

لكن لا تخلو المجالس من تعليقات حتى في المجالس التي تُعْقَد لسرد الكتب (ويكون القصد فيها القراءة الإسناديّة غالبًا ليتمّ إنهاؤها في وقتٍ يسير)، فيستعاض عن التعليق على المواضع المشكلة من الكتاب المقروء بالمشجَّرات (التي تشجر المبحث الحديثي/الفقهي) التي يُطالَب الحضور بها وبالوظائف التي يُطالَبون بإنجازها، وأيضًا من خلال الأسئلة المنتظمة مع المجالس في نهاياتها. ولهذه الأسئلة التي تعتور الطالب خلال المجالس نظام معتمَد في مجالس مركز الحديث بحيث لا يسمح بها خلال مجلس السماع، وينتظم ذلك من خلال كتابة الأسئلة على أوراق منفصلة مُعَدَّة لذلك فتُرفع إلى الشيخ المسمع في المجلس عن طريق ناظر المجلس ويتمّ الإجابة عنها في وقتٍ يراه المُسْمِع مناسبًا في فواصل المجلس.

وعلى عادة مجالس التحديث عند نهاية كلّ مجلسٍ من مجالس السماع يُثْبِت كلُّ طالبٍ البَلَاغات مع التاريخ المنضبط باليوم والوقت نهارًا أو ليلًا؛ وذلك ليتمّ إحصاء عدد المجالس التي تمّت قراءة الكتاب بها، و يُثْبَت ذلك في نصّ الإجازة التي تُعْطَى للطالب.

بعد مجلس الختم يحصل الطالب على إجازةٍ بالسماع بالأسانيد المتّصلة من المسمع إلى مؤلِّفي الكتب المقروءة، مع إثبات الفوت إن كان مع عبارةٍ تشير إلى جبر الفوت بالإجازة.

 

 

الشرائح المستفيدة من أنواع المجالس المختلفة:

المجالس الحديثيّة المُعْتَمَدة في مركز علوم الحديث النبويّ الشريف تتّخذ الطابع العلميّ المنبني على المنهجيّة الموضَّحة في هذا التعريف؛ ولدى تقسيمها على الشرائح المستفيدة منها فهي على الشَّكْل التالي:

  1. المَجالِس العامَّة التي تعقد في مجلسٍ واحدٍ أو اثنين: وهي على قسمين:
  1. مجالس تُقْرَأ فيها الكتب العلمية وتستقطب شريحةَ طلبة العلم خاصّةً كمجلسٍ يُقْرَأ فيه "نخبة الفِكَر" مع تعليقاتٍ لا بدّ منها، وأشباه ذلك من الرسائل العلميّة اللطيفة النافعة.
  2. مجالس تُقْرَأ فيها الكتب والرسائل الصغيرة الحجم أو المتوسّطة التي تستقطب الشرائح المختلفة من عامٍّ وخاصٍّ كقراءة الأربعين النوويّة أو الشمائل المحمّديّة.
  1. المجالس التي تُقْرَأ فيها كتب الرِّواية (كالكتب السِّتّة): وهي على قسمين:
  1. مجالس رواية ودراية: تُعْقَد على التراخي في موعدٍ أو اثنين أسبوعيًّا بشكلٍ رتيب يحضره طلبة علمٍ محصورو العدد يؤخذ لهم تفقُّد ويضبط لهم فوت السماع، ولا تقتصر على الرواية بل على شيئٍ من الدراية متوسِّطٍ يرفع به الإبهام ويحصل به الإفهام. وقد تستمرّ هذه المجالس لسنةٍ كاملةٍ أو أكثر أو أقلّ بحسب حجم الكتاب المقرَّر.
  2. مجالس روايةٍ: والمقصود منها إنجاز رواية هذه الكتب في مدّةٍ محصورةٍ كالتي تعقد مع عالمٍ من خارج البلاد له إقامة مؤقَّتة أو استُقْدِم لهذا الغرض، أو للمرور على أحاديث كتابٍ من كتب الأصول في مدّةٍ يسيرةٍ لغرضٍ علميٍّ معتبر أو بقصد تعريف الطلبة بالكتاب على سرعةِ سردٍ ورواية؛ فيُقْرَأ أحد الكتب الستّة أو أكثر في مدّة يسيرةٍ يُجلس لذلك مجالس مطوَّلة يوميًّا لمدّة أسبوعٍ أو عشرة أيام أو أكثر أو أقلّ بغرض إنجاز قراءة الكتاب وإسماعه بالأسانيد على وجهٍ يغلب عليه الرواية ولا يخلو من تعليقات وإيضاحات لا بدّ منها. وهذه تستقطب شريحةً خاصّة من طلبة العلم في مواسم خاصّة يستطيعون التفرُّغ لساعاتٍ مطوَّلة، وتعتمد التسجيل المسبق لهذه الشريحة والالتزام بنسبة حضور لا تنزل عن 80% من المجالس.